عين العرب : حيٌّ كاملٌ في مغطس بعثي

Submitted by rezanmus on جمع, 2008-10-03 21:22

ريزان مصطفى


مغطس بعثيمغطس بعثي

هل هي مدينةٌ محظوظة ؟...

لم تتعرض عين العرب ( التابعة إدارياً لمحافظة حلب ) إلى ضرباتِ إعصار آيكْ أو غوستافْ أو ما شابه, فهي بعيدةٌ عن البحار والمحيطات, وأقربُ بقعةٍ مائية إليها هو نهرُ الفرات, الذي يقع إلى غربها على مسافة 35 كم, لا بلْ أن المدينة وقراها التي تنوفُ على / 400 / قرية ومزرعة توجدُ في محيطٍ شبه صحراوي, وهي برَّأتْ ذمتها من المياه والينابيع منذُ ما لا يقلُّ عن ثلاثة عقود, حين كانت هنالك مياهٌ جاريةٌ وينابيع, ما جعلَ الأتراك يُطلقونَ عليها اسم " عرب بينار ", والتي تُرجمتْ إلى العربية لتُصبحَ " عين العرب ", ولعلَّ بُعدَها عن الأنهرِ والبحارِ والمحيطات جعلها مدينةً محظوظةً إلى حدٍّ ما, فهي تطفو على سطح الماء وتكادُ تغرقُ فيه بمُجرَّد تهطالٍ مطري عابر, وتتحوَّلُ حاراتٌ كاملة فيها إلى منكوبةٍ وشبهٍ منكوبة, فماذا سيَحدثُ إذا ما كانت المدينة قائمةً على شاطىء بحرٍ أو محيطٍ أو نهر وبداخل الحدود السياسية لسورية؟.

وإذا ما كانت زخاتٌ من مطرٍ مدرارٍ جاء قبل أوانه ترفع درجة الجاهزية في بعض حاراتها إلى الذروةِ, تكادُ فيه صفاراتُ الإنذار - لو كانت موجودة – تُطلقُ ومنائر المساجد تلعلعُ, فهذا يجعلُ –  ربما - أهلَ بعض حارات المدينة يحمدونَ إلههم أيضاً, على عدمِ وقوعِ مدينتهم في المناطق الاستوائية, حيثُ غزارة المطر لا توصفُ, ولا تستطيعُ النشرات الجوية متابعتها.

بحيرة بعثية اصطناعيةبحيرة بعثية اصطناعية

في تأطير المشهد...

يوم الثلاثاء 23 سبتمبر / أيلول, كانت مدينة عين العرب على موعدٍ مع مطرٍ ثقيل الظلِّ, باغتها منذُ ساعات الفجر الأولى, ليقلبَ هدوءَ سكان بعض حاراتها رأساً على عقب, فخلالَ أقلَّ من ساعة, شكَّلَ التهطالُ المطري بُحيراتٍ اصطناعية في الشوارع, وتحولَ العديدُ منها إلى مجارٍ مائية, فيما حوَّلَ بعض الشوارع والساحات الترابية الخالية إلى مستنقعاتٍ مفتوحة ريثما تجفُّ المياه المتجمعة, وهو أمرٌ يتكررُ طيلة فصل الشتاء ومع كلِّ هطولٍ للمطر, دون أن يشكِّلَ ذلك حافزاً للجهات المعنية في المدينة للتحرك وإيجادِ حلولٍ لفصول هذه المحنة الممتدة, ويُزيدُ الطينَ بلة, أن المياه تجوبُ على شكل سيولٍ أزقة وشوارع بعض الأحياء, وإذا ما أشتد المطرُ أكثر, فإن المياه تدخل المنازل وتقلبُ عاليها سافلها, وتُنتجُ المزيد من الويل والثبور, وإذا كان ذلك حدثَ بشكلٍ محدودٍ في اليوم المذكور, فإن السنة الماضية وقبلها شهدت حالاتٍ فجائعية وكارثية بإمتياز, من هدمٍ لجدران المنازل والأحواش, وإتلافِ مؤونة المنازل, وتعطل سير المركبات في المدينة لساعاتٍ طوال, كما عندَ نقطة شارع الحديقة الجنوبي, وأمام مبنى البلدية وشعبة حزب البعث, وعند زاوية إعدادية الخنساء الغربية, وفي الساحة المقابلة لمكتب إكسبريس للحوالات, ولعلَّ حي " حج بكو " واسمه على المخطط التنظيمي ولدى البلدية هو حيُّ " باسل الأسد ", فيما يُطلقُ عليه أنصار حزب العمال الكردستاني اسم حي " بوطان " ( نسبة إلى مدينة كوردية في كردستان تركيا ), هو الضحيةُ الأول والأخير لكل تهطالٍ مطري, ومهما كان منسوبُ المياه, وحجمُ التهطال, ففي خلال التهطال الأخير في يوم الثلاثاء تحول الحيُّ إلى رقعةٍ عائمةٍ فوقَ المياه لأكثر من 12 ساعة, وبقي من الشوارع والطرقات أرصفتها المرتفعة فقط, والكثيرُ من طلبة وتلاميذ مدرستي البعث ومحمد الدره حُجِزوا لساعاتٍ عن العودةِ إلى منازلهم, فكلَّ الطرقِ لم تكُ سالكة, فيما أضطر بعضهم إلى الخوض في غمار المياه.

ولم تُسجلِ الساعات تلك أي قدومٍ لرئيس البلدية, أو مدير المنطقة, أو أمين شعبة الحزب القائد للدولة والمجتمع !!! وهو أمرٌ يتكررُ في كل فصلٍ مشابه, ولم يقصدْ أيٌّ منهم ذلك الحي, الذي لو كانَ شهد في اليوم المذكور شبه تظاهرةٍ أو مسيرة احتجاجية, لتقاطرَ عليها مسؤولو المنطقة من كل حدبٍ وصوب, مُعززين بمؤازرة جهات أخرى تنفيذية من المدن جرابلس ومنبج وحلب, فهمْ تعودوا إلحاقَ الكوارث والمحن والنكبات بالمواطن, ولم تتمكن منهم بعدُ ثقافة نجدة المواطن والرفقِ به وبحاله.

فصلٌ معادٌ في طوفان البعث...

من حق الغرباء / سكان كوباني ( عين العرب ) الأصليين, المطالبةُ بشوارعَ وأزقة دونَ عيوب, وتخليصهم من هذه الأحياء الكاسدةِ على المخطط التنظيمي للمدينة, فهي على المخطط كاملة ولا تشكو من شيء, وفي الواقع تضحكُ منها البلدية وحزب البعث, وتضحكُ هي من حالتها المُزرية.

الحيُّ الجنوبي كاملاً من أقصاه إلى أقصاه, يُعمَّدُ بالمياه والسيول والطمي والوحول مع زخةِ مطرٍ لم يُنَصَّ عليه ولم تتوقعهُ النشرة الجوية في التلفزيون السوري, ومهما كان عدد ميلليمترات المطر الهاطل, فإن الحيَّ يقضي إجازة لساعات طوال في بانيو مفتوح يتسعُ لأكثر من / 5 / آلاف مواطن, حوَّلهم زمن البعث وشعاراته وهتافاته واحتفالاته المجانية إلى مجرَّد رؤوسِ ماشية ليسَ إلا.

والعجبُ العُجابْ, أن هذه الشوارع والأزقة مغلقة بوجه المظاهرات والمسيرات مذْ خلقت, ولكنها مفتوحة على مصاريعها أمام غزو السيول, في ظلِّ إهمالٍ فضفاض, ناتجٍ عن الفساد الإداري الذي يتسلقُ كتف البلاد, ليتحولَ سكان هذا الحي إلى مجرَّد أشباح, وهم يرقبون أولادهم وبيوتهم ومؤونتهم تغرقُ في المياه.

كل الحقِّ على المواطن !!!...

أولئك المواطنون, يتحملون كامل المسؤولية عن ذلك, فإذا كانوا يخشونَ طرقَ باب رئيس البلدية, أو أمين شعبة حزب الحاكم, أو مدير المنطقة, ولا يستطيعونَ مطالبتهم بتحسينِ واقع حيِّهم, أفيخشونَ من أنفسهم أيضاً, ولا يتمكنونَ من صبِّ جامِ غضبهم على أنفسهم أيضاً, فما دامَ مجموعُ من في الحيِّ كوردٌ, ويحفظونَ عن ظهرِ قلبٍ المثلَ الكوردي القائل : " إذا لم أتمكن منك, أفلا أتمكنُ من نفسي أيضاً ", كان لزاماً عليهم وفاقاً لذلك البحثُ عن حلولٍ أجدى وأنجع, ما دامت البلدية قررت العزوفَ عن هكذا أحياء سكنية موجعة للرأس إلى يوم البعث الأخير.

يمكنُ لهم مثلاً, بناء بيوتهم على أعمدةٍ من الإسمنت المسلح, وعلى علوٍّ لا يقلُّ عن المترين, وفي هذه الحالة ينبغي عليهم استعمالُ زوارقَ صغيرة, تماماً كما في فينيسيا الإيطالية, من أجل التنقلات وقضاء الحوائج والأعمال خارج منازلهم, أو يمكنُ لهم شراء منازل احتياطية في أحياءَ سكنية أخرى, يقيمونَ فيها خلال أشهر الشتاء والمطر والسيول, ويعودون إلى منازلهم في الحيِّ المنكوب صيفاً, وما دامت غالبية ساحقة من سكان الحيِّ المذكور فقراء ومعوزين, ويزحفونَ تحت خطِّ الفقر, عليهم تحمل ذلك, أو الخوضُ في الغمرِ أسوةً بالسلفين الصالحين : نوح وسفينته, وإذا ما أصابتهم مصيبة أو مكروهٌ حمدوا الربَّ على كل حال, وعدُّوه امتحاناً لصبرهم, ومدى استعدادهم لإفتداء الوطن الملطخ بوحول البعث.

وينبغي القول أيضاً, أن غياب المواطنين عن الفعل والحراك, سيضخم أكثر سفر أوجاعه, فهم يتحملون سنةً بعد أخرى وشتاءً بعد آخر إهمالَ البلدية وإدارتها ظهرها لمأساة حيِّهم, دون أن يتقدموا بعريضةٍ أو طلبٍ أو احتجاج إلى مجلس المدينة, أو إلى أي جهة مختصة أخرى, مُذيَّلٌ بتواقيعِ قاطني الحيِّ, يشرحونَ فيها وضع الحيِّ المزري, الذي ليسَ بغائبٍ عن علم البلدية وأركانها.

ولكن لن يتحرك أهلُ الحيِّ – لا الآنَ ولا لاحقاً - قيدَ أنملة, فالخوفُ من الدوائر الحكومية يسري في نخاع السوريين, وصارَ الجزءَ الأساسَ في بنيتهم العقلية والنفسية, ولعلمهم أيضاً أن المطالبات لا تنفعُ, ولا يُعيرُها من في البلدية أذناً صاغية, إلا إذا جاءهم كتابٌ من جهة عليِّة تلزمهم بالتحرك, ورئيسُ البلدية المدعو " أحمد محو " هو من جماعة " رضي البعثُ عنهم ", وقد عَلِمَ أهالي المنطقة بتعيينه رئيساً لبلدية عين العرب قبل انتخابات الإدارة المحلية الأخيرة في أغسطس / آب 2007 بنحو شهرٍ, وهكذا نموذجْ لا تفلحُ معه الشكاوى, ولا تزحزحه من مكانهِ ولا هم يحزنون, فكلما كثرت الشكاوى ضد مسؤولٍ بعثي ارتقى أكثر في السلم الوظيفي.

والكرة الأساسُ في ملعب البلدية ورعاتها...

تغييرُ قدر هذا الحيِّ, وتخليصه من مشهديات وفصول الكارثة المكتوبة على جبينهِ لا تستلزمُ عصا سحرية, فالحلولُ غايةٌ في البساطة, وهي من صُلبِ اختصاصات مجلس المدينة والقائمينَ عليها, وليستْ أمراً تعجيزياً, فوظيفةُ البلدية الأساسُ هي الاعتناءُ بالمنطقة ومركزها من الجانب الخدمي, ولكلِّ بلديةٍ ميزانيتها التي تُصرَفُ لذلك الغرضِ سنوياً, ويُمكنُ للبلدية أداءَ دورها الخدمي المنوطِ بها عبرَ خُطةٍ متكاملة.

على البلدية بدايةً, تحديثُ شبكات المجاري والصرف الصحي في المدينة, وإجراءُ تعديلاتٍ لبعضها, وتغييرُ التالفِ منها, آخذةً في الاعتبار تناسبها مع كل حيٍّ سكني, فلا يُعقلُ أن تكونَ شبكةُ المجاري وأنابيبُ الصرف الصحي في الأحياء الهامشيةِ من المدينة, المُحاطةِ بمساحاتٍ تُرابية, مُشابهةً للتي في وسط المدينة, الأمرُ الآخرُ يتعلقُ بإنشاءِ مجاريرَ واسعة وضخمة في الشوارع والأحياء التي تقعُ في منخفضٍ من الأرض, والحيُّ المذكورُ فيهِ شارعٌ باتجاه شمال – جنوب كان فيما مضى وادياً ومجرى مائياً, ومع كلِّ مطرٍ يعودُ هذا الشارع إلى ذكرياتِ طفولته, ويُغني على ليلاه, نضيفُ إلى ذلك أن نصفَ مساحة ذلك الحيِّ تفتقرُ إلى المجارير وشبكة الصرف الصحي, رغمَ أنَّها واقعةٌ بداخل المخطط التنظيمي للمدينة.

خاتمةٌ مؤقتة...

على الجهات المعنية, وهي تتفرجُ في كلِّ مطرٍ على هذه التراجيديا, أن تتخذَ إجراءاتها واحتياطاتها, للحيلولةِ دونَ تكرارِ هذا المشهد, ليُزهرَ هذا المواطنُ قليلاً, وألا يتحولَ إلى شجرةٍ ميتةٍ إلى الأبد, وهذه التدابيرُ غاية في البساطة كما أسلفنا, ولا تُكلِّفُ الدولة ثمنَ تمثالٍ للقائد المفدى !!! يُلوَّثُ بدخان عوادم السيارات, لئلا يتعمقَ اللا انتماءُ إلى الوطن المسلوب من حرامية النهار أكثر, ولئلا تُمنعَ الحياةُ عن السوريين أكثر, فلا يُمكنُ استبدالُ هذا الشعب الذي يسيرُ في غابة حالة الطوارىء والأحكام العرفية مُغلقَ المُستقبلِ, وهوَ يستحقُ أنْ تهبطَ البلدية من ملكوتها ولو لمرةٍ واحدة, لتُعيرَ شوارعه وأزقته حفنةً من الليرات السورية, فلمْ يعدْ هذا الشعبُ يملكُ غيرَ تلك الشوارع والأزقة في زمن حالة الطوارىء, ووظيفتها الوحيدةُ هو الخروج منها سعياً وراء أسباب الرزق والعيشِ, بعدَ أنْ سُرِقَ منه كلُّ شيء, اعتباراً من لقمة العيش وليسَ انتهاءً بالحرِّيات والكرامة, وإلا فلتبتاعَ السلطة شعباً آخر, يتحملُ تنكيلها وإهمالها الذي بلا حدودٍ ولا حسيبٍ ولا رقيب.

مشهد بسيط في مغطس البعثمشهد بسيط في مغطس البعث

 

( تصنيفات: )